تحليل | زيارة الرئيس السوري الجديد الأولى إلى السعودية: الدلالات والنتائج


مقدمة
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 تحولًا استراتيجيًا في العلاقات السورية مع دول المنطقة، خاصةً المملكة العربية السعودية، التي كانت قد أعادت التطبيع مع نظام الأسد ضمن سياسة "الخطوة بالخطوة"، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة منها.
ومع صعود الإدارة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، أعادت الرياض ضبط استراتيجيتها في التعامل مع دمشق، بناءً على التطورات الجديدة في المشهد السياسي السوري.
ديناميكيات العلاقات الجديدة
على الرغم من التوجس السعودي الأولي من تصدر هيئة تحرير الشام المشهد كسلطة انتقالية، إلا أن خطابها المنفتح والمتوازن تجاه دول الخليج، وخاصة الرياض، ساهم في تبديد بعض المخاوف، وجعل المملكة تتعامل معها ببراغماتية سياسية.
بالمقابل، أظهر الرئيس أحمد الشرع إعجابه بالنموذج الإصلاحي السعودي، ورؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو ما زاد من حالة الارتياح والقبول تجاه قيادته.
كما يتمتع الشرع بروابط شخصية مع السعودية، حيث وُلِد ونشأ فيها خلال طفولته، مما ساعد على خلق حالة من الألفة السياسية وساهم في تسريع التقارب، لكن الرياض بقيت تعتمد سياسة "الانفتاح الحذر"، مترقبةً سلوك القيادة السورية الجديدة.
المصالح السعودية في سوريا الجديدة
تدرك المملكة أن سوريا بعد الأسد تحتاج إلى إعادة بناء شاملة، وتحرص على أن يكون لها دور في هذه العملية لضمان نفوذها في الجمهورية الجديدة. تجلى ذلك في:
1- زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الرياض في يناير 2025، والتي ناقشت سبل إعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي.
2- رعاية السعودية لمؤتمر دولي حول سوريا، بهدف رفع العقوبات الغربية المفروضة على دمشق.
3- الزيارة الرسمية الأولى للرئيس الشرع إلى السعودية في 2 فبراير 2025، حيث استُقبل بحفاوة رسمية وزار مكة المكرمة وأدى العمرة.
4- التأكيد السعودي على أهمية تشكيل حكومة تمثل جميع السوريين، وهو ما يعكس التحفظ السعودي تجاه النظام الجديد.
أبعاد زيارة الرئيس السوري للمملكة
تهدف الزيارة إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية:
1- تطمين الرياض حول سياسات الإدارة الجديدة، وخاصةً فيما يتعلق بالابتعاد عن المحور الإيراني، وضمان استقلالية القرار السياسي السوري بعيدًا عن التأثيرات الخارجية. كما تسعى دمشق إلى طمأنة السعودية بعدم دعم أي جماعات متطرفة، والعمل على تعزيز الاستقرار في المنطقة، مع التزام الإدارة السورية بتنسيق الجهود لمحاربة الجماعات الإرهابية وضبط الحدود لمنع تهريب الأسلحة والعناصر المتشددة.
2- بحث التحالفات المستقبلية في المجالات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، حيث ترغب الإدارة السورية في تطوير شراكة استراتيجية مع المملكة، تشمل تبادل المعلومات الأمنية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وتحديث القدرات العسكرية عبر تدريبات مشتركة أو صفقات تسليح، إضافة إلى تطوير آليات استخباراتية تضمن حماية المصالح المشتركة لكلا البلدين.
3- محاولة الحصول على دعم مالي سريع لإنعاش الاقتصاد السوري المتعثر، فدمشق تعاني من أزمة اقتصادية حادة بسبب سنوات الحرب والعقوبات المفروضة عليها، ما دفع القيادة السورية الجديدة إلى البحث عن مساعدات مالية مباشرة أو استثمارات تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد. كما تسعى الحكومة السورية إلى تقديم مشاريع تنموية مغرية للشركات السعودية لجذب رؤوس الأموال، مع التركيز على قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والزراعة، إضافة إلى فتح المجال أمام المصارف السعودية للعودة إلى السوق السورية.
4- كسب التأييد السعودي لرفع العقوبات الغربية عن دمشق، مستفيدًا من نفوذ الرياض في واشنطن، خاصةً في ظل رئاسة دونالد ترامب، الحليف الوثيق لولي العهد السعودي. ويأمل الرئيس الشرع أن يستخدم السعوديون ثقلهم السياسي لإقناع الإدارة الأمريكية بضرورة رفع بعض العقوبات الاقتصادية، مما يمكن سوريا من استعادة قدرتها على التعامل مع الأسواق الدولية. في هذا السياق، تعمل دمشق على تقديم تعهدات إصلاحية في مجالات الحوكمة، ومحاربة الفساد، وتحقيق المصالحة الوطنية لكسب دعم المجتمع الدولي.
5- تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، عبر توقيع اتفاقيات تجارية بين البلدين تشمل قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والزراعة، بالإضافة إلى تسهيل الاستثمارات السعودية في سوريا ضمن بيئة آمنة ومستقرة، كما تسعى الإدارة السورية إلى الحصول على مساعدات تقنية واستشارية من المملكة في مجالات التحديث الإداري، والتعليم، والصحة، والاستفادة من الخبرات السعودية في إعادة هيكلة القطاعات الحكومية وتعزيز آليات الحكم الرشيد.
نتائج الزيارة وحدود الدعم السعودي
رغم التفاهمات الإيجابية، إلا أن الرئيس السوري عاد إلى دمشق دون تحقيق مكاسب مالية فورية، حيث اكتفت المملكة بتقديم دعم إغاثي وطبي، بينما أبقت الدعم الاقتصادي والاستثماري مشروطًا بتطورات المشهد السياسي السوري، حيث لا تزال الرياض تتبنى موقف المراقب الحذر، في انتظار خطوات ملموسة تعزز الاستقرار وتؤكد التزام الإدارة السورية الجديدة بمسار سياسي شامل.
لكن يظل السباق نحو النفوذ في سوريا الجديدة مفتوحًا بين السعودية وتركيا وقطر، في ظل ضبابية الموقف الأمريكي ومخاوف التقلبات الداخلية في دمشق، فبينما تسعى السعودية لترسيخ دورها كلاعب رئيسي في إعادة إعمار سوريا، فإن استراتيجيتها تبقى مشروطة بإثبات الإدارة الجديدة جديتها في تحقيق استقرار سياسي شامل دون العودة إلى سياسات الابتزاز التي انتهجها نظام الأسد.
التعاون السعودي - السوري وآفاق المستقبل
ومع تعمق العلاقات، يمكن أن نشهد في المستقبل القريب عدة تطورات إيجابية، منها:
قد تبدأ السعودية بضخ استثمارات محدودة في قطاعات مثل الزراعة والطاقة، ولكن قد تتوسع مستقبلاً لتشمل مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، وفقًا لمتغيرات الاستقرار في سوريا.
تنسيق أمني وعسكري موسع يمكن أن يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية لمحاربة الإرهاب وضبط الحدود، إضافةً إلى تدريبات عسكرية مشتركة، واتفاقيات تعاون أمني طويل الأمد لمكافحة التهديدات الإقليمية.
مزيد من التطورات الدبلوماسية في تعزيز التنسيق السياسي بين البلدين في القضايا الإقليمية والدولية، وقد تتطور إلى شراكة استراتيجية تشمل الدعم المتبادل في المحافل الدولية، وتنسيق المواقف بشأن القضايا الشائكة مثل النفوذ الإيراني في سوريا.
الخلاصة
تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى السعودية خطوة محورية في إعادة ترتيب العلاقات السورية - السعودية، لكنها ليست كافية لضمان شراكة استراتيجية طويلة الأمد، إذ يبقى نجاح العلاقة رهينًا بتقديم دمشق خطوات إصلاحية حقيقية، وبمدى استعداد السعودية للانخراط بعمق في الملف السوري دون المساس بمصالحها الاستراتيجية الأوسع، في النهاية، سيكون من يقدم أكثر بشروط أقل هو الفائز الأكبر في السباق على النفوذ داخل سوريا الجديدة.